المكتب العائلي: هندسة انتقال الثروة عبر الأجيال

في منتصف الستينات من عمره، جلس رجل أعمال سعودي بنى ثروته بيده. بدأ من الصفر تقريبًا، وشيّد مع السنوات إمبراطورية حقيقية. شركات، أصول، علاقات، واسم يُحسب له حساب. صحته جيدة، ووقته اليوم أهدأ مما كان عليه قبل عشرين سنة.

لكن داخله قلق لم يهدأ.

ليس قلقًا من المرض، ولا من السوق، ولا من المنافسين.
قلقه اليوم من سؤال بسيط في شكله، ثقيل في معناه: ماذا سيحدث بعده؟

أبناؤه وبناته مختلفون.
الكبير يرى المستقبل في التوسع، وآخر يفضّل المحافظة واستقرار الأعمال. أكبر بناته شغوفة بالعمل في إحدى شركات المجموعة، بينما لا يستهوي البقية هذا الطريق، وإحداهن ترى أن الحياة أكبر من أن تُختصر في سلسلة من الاجتماعات والمشاريع. مهاراتهم متباينة، اهتماماتهم متباعدة، وكلهم يحبونه، لكنهم مختلفون في توجهاتهم، وهو يتمنى لهم حياه سعيدة مستقرة بنفس مستوى جودة الحياه او افضل ويتمنى استمرار النجاحات التي ساهم في بنائها.

هو لا يشك في نواياهم، لكنه يعرف أن النية وحدها لا تكفي.

ما بناه خلال أربعين سنة قد يتفكك بهدوء خلال عشر سنوات، ليس بسبب خطأ كبير، بل بسبب قرارات صغيرة لم تُحسم، وأدوار لم تُحدد، وحدود تُركت مؤجلة احترامًا له، أو هروبًا من النقاش الأصعب.

يريد أن يرتّب الأمور وهو بكامل صحته، أن يضع نظامًا لا يعتمد على وجوده، يحمي العائلة كما يحمي المال.

.لأنه أدرك أن أخطر لحظة في حياة الثروة ليست لحظة تكوينها، بل لحظة تسليمها

حين يكبر المال… تكبر معه المسؤوليات

العائلات أصبحت أكثر وعيًا بالتعقيد الذي صنعه النجاح. حين تكبر الثروة، يكبر معها عدد الآراء والتوقعات. ومع اقتراب انتقال الثروة إلى الجيل التالي، يتحول القلق من سؤال مالي إلى سؤال وجودي:

كيف نضمن أن ما بُني خلال عقود لا يتآكل خلال جيلين؟

في هذه المرحلة، لا تبحث العائلات عن عائد أعلى، بل عن نظام أعدل.
نظام يفصل الملكية عن الإدارة، ويحمي العلاقات من الاحتكاك اليومي، ويحوّل القرارات من مجاملات شخصية إلى قواعد متفق عليها.

هو انتقال واعٍ من العشوائية إلى الاستدامة، ومن الاعتماد على الأشخاص إلى الاعتماد على إطار يعيش أطول منهم.

.من هنا، تظهر المكاتب العائلية لا كأداة مالية جديدة، بل كنظام يحمي العائلة كما يحمي المال عبر الزمن

الفصل الذي يصنع الفرق

من أهم التحولات التي يحققها المكتب العائلي، الفصل الواضح بين “العائلة” و“الأعمال التشغيلية”.

:فالمكتب العائلي لا يدير الشركات اليومية، ولا يتدخل في قرارات التشغيل أو التفاصيل التنفيذية. دوره هو

إدارة الملكية لا الإدارة -

تنظيم التوزيعات لا تشغيل المصانع -

تمثيل العائلة في مجالس الإدارات -

تعيين القيادات المناسبة بدل أن يكون ساحة لاختلاط العلاقات العائلية بالقرارات المهنية -

.هذا الفصل البسيط في شكله، العميق في أثره، هو ما يحمي الشركات من العاطفة، ويحمي العائلة من صراعات كان يمكن تفاديها

ما هو المكتب العائلي؟ وما الهدف منه؟

.مكتب العائلة هو كيان قانوني تنشئه عائلة ثرية لإدارة ثروتها وأصولها وشؤونها المختلفة عبر أكثر من جيل

هدفه الأساسي ليس تعظيم العائد فقط، بل تحويل الثروة من مجرد “مال كثير” إلى نظام متين ومستدام، يحافظ على الثروة، وينظم القرار، ويُبقي العائلة متماسكة وقادرة على التحكم في مستقبلها.

ومع ذلك، فالمكتب العائلي ليس وصفة جاهزة للجميع
.نجاحه لا يعتمد على وجوده فقط، بل على التأكد أولًا من الحاجة إليه، ثم حسن تصميمه ووضوح أدواره. فقرار إنشائه لا يقل أهمية عن طريقة بنائه

ماذا يفعل المكتب العائلي فعليًا؟

رغم اختلاف النماذج، إلا أن أغلب المكاتب العائلية تدور حول خمس وظائف أساسية:

أولًا: إدارة الثروة والاستثمارات
إدارة محفظة تعكس شخصية العائلة وأهدافها، توازن بين الأسواق العامة والاستثمارات الخاصة، بين المخاطرة والاستقرار، وبين ما يحقق الدخل اليوم وما يبني القيمة للغد. الهدف ليس التفوق على السوق في سنة واحدة، بل تعظيم الثروة على المدى الطويل.

ثانيًا: تخطيط الثروة وانتقالها
هيكلة الأصول، تنظيم التوريث، ترتيب التوزيعات، ووضع سيناريوهات واضحة لانتقال الثروة بين الأجيال، بحيث تقل المفاجآت وتُدار التوقعات ويصبح الانتقال عملية مدروسة لا لحظة ارتباك.

ثالثًا: الحوكمة والتعليم
وضع أطر لاتخاذ القرار مثل الدساتير العائلية والسياسات الاستثمارية، وتثقيف الجيل القادم حول معنى الملكية والمسؤولية. الهدف ليس خلق مدراء من الجميع، بل مالكين يفهمون دورهم وحدودهم

رابعًا: العمل الخيري والأثر
تنظيم الأوقاف والمبادرات ذات الأثر، وتحويل العطاء من رد فعل عاطفي إلى استراتيجية تعكس قيم العائلة وتترك أثرًا مستدامًا.

خامسًا: الإدارة والشؤون اليومية
إدارة الحسابات البنكية، الأصول العقارية والمنقولة، السفر والخدمات التشغيلية، وكل ما يحتاجه أفراد العائلة في حياتهم اليومية

أكثر سوء فهم شيوعًا

ليس كل ما يُسمّى مكتبًا عائليًا يؤدي دوره الحقيقي.

في بعض الحالات، لا يكون أكثر من مكتب استثمار خاص بلا حوكمة عائلية ولا تخطيط لانتقال الثروة.
وفي حالات أخرى، يتحول إلى سكرتارية تنفيذية فاخرة تدير التفاصيل اليومية دون أن تضع قواعد قرار أو تخفف نقاط الاحتكاك.

وفي الخليج تحديدًا، يظهر خلط أكثر حساسية حين تُدار الشركات التشغيلية من خلال “مكتب العائلة”، فيدخل المكتب في تفاصيل التشغيل اليومي ويصبح ساحة لتنافس الآراء بدل أن يكون إطارًا يفصل الملكية عن الإدارة ويحمي العلاقات

متى يكون المكتب مكتبًا عائليًا فعلًا؟

ليكون مكتبًا عائليًا مكتمل الأركان، لا بد أن تتوافر فيه عناصر أساسية، منها:

- حوكمة عائلية واضحة تشمل دستورًا وآليات لحل الخلافات

فصل صريح بين الملكية والإدارة

استراتيجية استثمار طويلة الأجل

تخطيط منظم لانتقال الثروة

برنامج لتعليم وتأهيل الجيل القادم

إدارة مركزية للمخاطر والشفافية والتقارير

عندها فقط، يصبح المكتب العائلي نظامًا يحمي الثروة والعائلة معًا، لا مجرد مكتب أنيق أو محفظة أكبر حجمًا

الخاتمة

في النهاية، ذلك الرجل في منتصف الستينات لا يبحث عن عائد أعلى، بل عن بداية أكثر هدوءًا.
عن هيكلة تضمن، بتوفيق الله، أن ما بناه من عائلة وأعمال وأثر سيبقى من بعده، وأن الثروة التي جمعها ستنتقل بنظام لا بفوضى.

فالمكتب العائلي ليس رفاهية تنظيمية، بل قرار يحمي ما بُني، ويحمي من بُني من أجلهم.

ويبقى السؤال الذي يسبق كل هذا:
كيف وُلد مفهوم المكتب العائلي، وكيف شق طريقه من أمريكا وأوروبا إلى الخليج؟

Next
Next

You’re not investing in startups. You’re investing in equations.